ابن حزم

838

الاحكام

ونسأله التوفيق والعصمة ، فكل شئ بيده لا إله إلا هو . وحدثت طائفة من الأشعرية ، أبدعوا في قولهم بالتقليد قولا طريفا في السخف ، وهو أن قالوا : الفرض على العامي إذا نزلت به النازلة أن يسأل عن أفقه من في ناحيته ، فإذا دل عليه سأله ، فإذا أفتاه لزمه الاخذ به ، ولا يحل للعامي أن يأخذ بقول ميت من العلماء ، قديما كان أو حديثا ، صاحبا كان أو تابعا ، أو من بعدهم ، فإن نزلت بذلك العامي تلك النازلة بعينها مرة أخرى ، لم يجز له أن يأخذ تلك الفتيا التي أفتاه الفقيه بها ، ولكن يسأله مرة ثانية ، أو يسأل غيره ، فما أفتاه به أخذ به ، سواء كانت تلك الفتيا الأولى غيرها ، وقالوا : إن الفرض على كل أحد إنما هو ما أداه إليه اجتهاده فيما لا نص فيه فكل مجتهد في هذا الموضع فهو مصيب . قال أبو محمد : ويكفي من بطلان هذا القول أنها كلها قضايا مفتراة ، ودعاوى بلا برهان أصلا . فإن قالوا : قال الله تعالى : * ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * قلنا : صدق الله تعالى ، وكذب محرف قوله ، أهل الذكر هم رواة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء بأحكام القرآن ، برهان ذلك قوله تعالى : * ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) * فصح أن الله تعالى إنما أمرنا بسؤالهم ليخبرونا بما عندهم من القرآن والسنن ، لا لان يشرعوا لنا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى ، بآرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ، وفي هذا كفاية ، وبالله تعالى التوفيق . فصل قال أبو محمد : قد ذكرنا كل ما موه به القائلون بالتقليد ، وبينا بطلانه وانتقاضه بعون الله تعالى لنا ، ولله الحمد ، ونحن الآن ذاكرون ما قاله الله تعالى في إبطال التقليد ، ونبين وجه الحجاج في بيان سقوطه ، وأنه لا يحل تصريفه في دين الله عز وجل أصلا . فمن ذلك أن يقال لمن قلد : ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدت أنت ؟ فإن أخذ يحتج في فضل من قلد ووصف سعة علمه ، سئل : أكان قبله أحد أفضل منه وأعلم ؟ أم لم يكن قبله أحدا أعلم منه ولا أفضل منه ؟ .